ابن عجيبة

526

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ووعظك لا يؤثر فينا . قالَ نوح عليه السّلام : إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ دونى إِنْ شاءَ عاجلا أو آجلا ، وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ بدفع العذاب عنكم ، أو الهرب منه حتى تعجزوا القدرة الإلهية ، وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ ، وأراد اللّه أَنْ يُغْوِيَكُمْ ، فإن النصح مع سابق الشقاء عنت . وهذا جواب لما أوهموا من أن جداله كلام لا طائل تحته ، وهو دليل على أن إرادة اللّه تعالى يصح تعلقها بالإغواء ، وأن خلاف مراد اللّه تعالى محال . ولذلك قيل : مراد اللّه من خلقه ما هم عليه . ثم قال : هُوَ رَبُّكُمْ ؛ خالقكم والمتصرف فيكم وفق إرادته . وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فيجازيكم على أعمالكم . الإشارة : ينبغي لأهل الوعظ ، والتذكير أن لا يملوا - ولو أكثروا - إذا قابلهم الناس بالبعد والإنكار ، وليقولوا : ولا ينفعكم نصحنا إن أردنا أن ننصحكم إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ . . . الآية . ولما كان المقصود من القصة تسلية رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم خاطبه في أثنائها بقوله : [ سورة هود ( 11 ) : آية 35 ] أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ ( 35 ) يقول الحق جل جلاله : أَمْ يَقُولُونَ ؛ أي : كفار قريش : هذا الذي يقرؤه محمد علينا ، ويقصه من خبر من قبلنا افْتَراهُ من عنده . قُلْ لهم : إِنِ افْتَرَيْتُهُ ؛ تقديرا فَعَلَيَّ إِجْرامِي ؛ أي : وباله على دونكم ، وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ ؛ مما ترتكبون من الإجرام بتكذيبكم وكفركم . الإشارة : ينبغي لمن قوبل بالتكذيب والإنكار أن يكتفى بعلم اللّه ، ويقول لمن كذبه ما قال نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم لمن كذبه : ( إن افتريته فعلى إجرامي . . . ) الآية . وفي الحكم : « متى آلمك عدم إقبال الناس عليك ، أو توجههم بالذم إليك ، فارجع إلى علم اللّه فيك ، فإن كان لا يقنعك علمه فمصيبتك بعدم قناعتك بعلمه أشد من مصيبتك بوجود الأذى منهم . . » . قال الشيخ زروق رضى اللّه عنه : وذلك لأن عدم قناعتك بعلمه يصيبك في قلبك ودينك ، وأذاهم يصيبك في عرضك وبدنك ودنياك ، وأيضا : أذاهم يردك إليه ، فهو فائدتك ، وعدم القناعة بعلمه يردك إليهم ، فهي مصيبة توجب ثلاثا ، هي علامة عدم القناعة بعلمه : أولها : التصنع والمراءة ، الثاني : طلب رضاهم بما أمكن في جميع الحالات . الثالث : إظهار علمه وعمله وحاله ، ليعلموا برتبته . والقناعة بعلمه علامتها ثلاث : أولها : قصد الإخلاص في كلّ ، بحيث لا يبالي أين رآه الخلق ، وكيف رأوه . الثاني : طلب رضاه بالعمل بطاعته ، وترك ما لا يرضيه ، رضوا بذلك أو سخطوا . الثالث : الاكتفاء بعلمه فيما يجرى عليه من حكمه وحكمته ، قال إبراهيم التيمي رضى اللّه عنه لبعض أصحابه : ما يقول الناس فىّ ؟ فقال :